أبي منصور الماتريدي
103
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأنصار ، أو رجل به جنون ؛ لأنهم كانوا يقتلون من يخالفهم في شيء من الأمر ، فلما رأوا رسول الله خالفهم واستقبلهم بما يكرهون ، ولم يروا معه أنصارا ولا أعوانا ظنوا أنه لا يخالفهم إلا بجنون فيه ، فنسبوه إلى الجنون لذلك ، والله أعلم . ويحتمل أن تكون نسبتهم إياه إلى الجنون لما حرم عليهم عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها ، وهم قد رأوا العقلاء منهم قد عبدوا الأصنام ولم يحرموا ذلك ، فلما حرم ذلك عليهم ظنوا أنه إنما حرم ذلك لآفة ، لذلك حملهم بالنسبة إلى الجنون ، والله أعلم . ثم عاتبهم بتركهم التفكر فيه بقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ؛ ليتبين لهم أنه ليس به جنون ، وذلك يحتمل وجهين : أنهم لو تفكروا في رسول الله بما أخبرهم من المرغوب والمرهوب والمحذور في كتابهم على غير لسانهم ، واختلاف منه إلى أحد منهم ، ولا تعلم - لعلموا « 1 » أنه رسول ، وأن ما أخبر إنما أخبر بالله . أو أن يكون قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ، أي : قد تفكروا فيه وعرفوا أن ليس به جنون ؛ وكذلك في قوله : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . الآية ، أي : قد تفكروا في ذلك ، وعرفوا أن مثل هذا لم يخلق عبثا باطلا ؛ كما يقال : أو لم تفعل كذا ، أي : قد فعلت ، لكنهم عاندوا وكابروا آياته وحججه . وأمكن أن يكون قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أي : في أنفسهم ، وفي أولئك الذين عبدوا من الأصنام والأوثان ؛ ليظهر لهم أنهم على باطل وسفه ، وليتبين لهم أن الحق هو ما يدعوهم إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لا ما كانوا هم عليه . وفيه دلالة أن الحق يلزم وإن كان لا يعلم ذلك إلا بالتفكر والتدبر ؛ لما لحق هؤلاء من الوعيد الشديد والعقاب العظيم لما تركوا هم التفكر ، وكان لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك . وقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ أنه ليس به جنة ؛ هذا جواب من الله . ويحتمل : لو تفكروا في صاحبهم ، لعرفوا أنه ليس به جنة . ثم أخبر أنه نذير مبين ، ليس كما يقولون : إنه مجنون ؛ إذ معه آيات وبراهين ، فهو نذير مبين . وقوله - عزّ وجل - : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . الآية . يحتمل هذا على الابتداء .
--> ( 1 ) في ب : ليعلموا .